القطاع البنكي في تونس: بين حقيقة نقص السيولة ودفع الدولة نحو “التّسول”

القطاع البنكي في تونس: بين حقيقة نقص السيولة ودفع الدولة نحو “التّسول”

بقلم -
0 567

تونس- افريكان مانجر

بات شبح نقص السيولة البنكية في تونس، الذي يلوح بين الفينة والأخرى، يثير قلق الأوساط المالية والمستهلكين، رغم أنّ بعض الاقتصاديين يفسّرون ذلك بعملية “شفط” تقوم بها الدولة مدفوعة بتعدّد حاجياتها المكثفة للتمويل بفعل ضعف النمو، وفق ما ورد في تقرير نشرته اليوم الاثنين وكالة تونس افريقيا للأنباء.

وأصبح مشكل نقص السّيولة البنكية، الذي قدّر بـ10708 مليون دينار، يوم 18 فيفري 2020، حسب إحصائيات البنك المركزي التونسي، في بلد يضم 42 مؤسسة مالية، يعيق البنوك عن توفير القروض للعملاء في القطاعات الاقتصادية والفلاحية والصناعية والتجارية رغم تطمينات البنك المركزي، المؤكّدة لقدرته على تمويل السّوق بمعدل نسبة فائدة أساسية في حدود 7,85 بالمائة، حاليا، وهي نسبة لا قدرة للأطراف الاقتصادية الفاعلة والأسر والأفراد، على تحمّلها لا سيما إذا ما أضفنا إليها هوامش فوائض البنوك والمؤسسات المالية التي تتجاوز 5 نقاط مائوية في بعض الحالات.

تدنّي نسبة الادّخار في تونس

ويعزى هذا الوضع، بالأساس، إلى تدنّي نسبة الادّخار في تونس من معدّل 21 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي قبل سنة 2010، إلى 8,2 بالمائة، فقط، حاليا، وذلك في علاقة بتدهور القدرة الشرائية للمواطن بصفة عامّة وتدهور وضع المؤسسات نتيجة انهيار قيمة الدينار وارتفاع نسبة التضخم، الذي تطغى عليه صيغة التضخم المستورد.

وحرص البنك المركزي التونسي من خلال تشديد السياسة النقدية على الحدّ من الارتفاع غير المسبوق للحجم الجملي لإعادة التمويل ليرجع به من 15,8 مليار دينار موفى 2018 الى 11,5 مليار دينار، نهاية 2019، علما وان الحجم الجملي لإعادة التمويل يوم 29 جانفي 2020 ناهز 10,4 مليار دينار، حسب وثيقة لمؤسسة الإصدار.

الدولة..تشفط.. أموال البنوك، متغولة قانونيا

ويرى المختصّ في الاقتصاد السياسي والتنمية، جمال العويديدي، أنّ مشكل السّيولة، تفاقم إثر قرار البنك المركزي التّونسي، بضغط من صندوق النّقد الدولي، فرض تخفيض نسبة تسديد القروض من 150 بالمائة من المدّخرات إلى 120 بالمائة في سعي لتشديد الضغوط على منظومة الاقراض لخلق موازنة مع الايداعات حسب المعايير المعتمدة عالميا وأبرزها معايير الامتثال والتقيد بالمخاطر “معايير بازل”.

ويعتبر أنّ “هذا القرار لم يأت في الوقت المناسب، إذ تشتدّ الحاجة، حاليا، الى توفير القروض نتيجة تدهور سعر العملة الوطنية، ما يستوجب توفير سيولة أكثر لضمان توريد المواد الضرورية (المواد الأولية الخاصة بالإنتاج أو الاستهلاك)”.

وتابع “هذا الإجراء دفع البنوك إلى تخفيض قيمة القروض الممنوحة، سابقا، إلى حرفائها في القطاعات المنتجة ما ساهم في تعطيل الدورة الاقتصادية في تونس”.

ويشير إلى أنّ أصل الدّاء يعود إلى تغيير القانون الأساسي للبنك المركزي التّونسي بموجب القانون عدد 35 لسنة 2016 وخاصة الفقرة 4 من فصله 25 التّي اعتبرت “أنّ البنك المركزي غير مخوّل من تمكين الخزينة العمومية للدّولة، من سيولة أو قروض تقريبا بدون فوائد”. وينص الفصل على أنّه “لا يمكن للبنك المركزي أن يمنح لفائدة الخزينة العامّة للدّولة تسهيلات في شكل كشوفات أو قروض أو أن يقتني بصفة مباشرة سندات تصدرها الدولة”.

ولا ينطبق هذا التّحجير على عمليات المساعدة المالية التّي يمنحها البنك المركزي، حسب الشروط المبينة بهذا القانون، لفائدة البنوك والمؤسسات المالية التي تملك الدولة بصفة مباشرة أو غير مباشرة مساهمات في رأس مالها.

وحجّر القانون على البنك المركزي “الاكتتاب في سندات الخزينة العمومية لكنه سمح، في المقابل ، للبنوك التّجارية بتقديم هذه القروض للخزينة العمومية والاكتتاب في السّندات الصّادرة عن الدّولة مقابل نسبة فائدة مرتفعة جدا” طبقا لما ورد في العنوان الأول من القانون و تحديدا محور الأحكام العامة في الباب السابع المتعلق بالعلاقات مع بقية مؤسسات الدولة و القسم الأول على وجه خاص.

وأضاف العويديدي، أنّ “البنك المركزي التّونسي أصبح يقرض البنوك بنسبة فائدة متدنية قدرت بنسبة 7,83 بالمائة يوم 18 فيفري 2020 في حين تقرض هذه الاخيرة، الدّولة بنسبة فائدة مرتفعة تلامس 9 و10بالمائة، وفقا لمعطيات التونسية للمقاصة، وهي هيئة حكومية تتصرف في رقاع الحزينة كأداة لإقراض البنوك للدولة.

وشدد الخبير على أنّ هذا القانون الأساسي، الذي سوّق له على أنّه تكريس لاستقلالية البنك المركزي، تبيّن أنّه في الحقيقة، هديّة قدّمت للبنوك التجارية “.

وأضاف “لقد أصبحت البنوك تجني مرابيح عالية جدّا متأتية، بالأساس، من القروض التّي تقدّمها للدولة سواء بالعملة المحلية أو الأجنبية مع تحميل مخاطر سعر الصّرف على الدّولة ممّا أثقل المديونية العموميّة التي باتت تناهز 72,7 بالمائة”.

وقال المتحدّث في هذا الصّدد، “نسجّل التّزايد الملحوظ لنسبة مرابيح البنوك الخاصّة والعمومية، وقد حقّق القطاع البنكي نسبة نموّ بين 11 بالمائة و21 بالمائة، سنة 2017، والحال أنّ نسبة نمو الناتج المحلي الإجمالي، كان في حدود 1,8 بالمائة فقط”. ولئن دلّ هذا على شيء فهو يدلّ أو بالأحرى يؤكد أنّ القطاع البنكي في تونس يراكم المرابيح على حساب القطاعات المنتجة على غرار قطاعي الفلاحة والصّناعة.

وأردف الخبير الاقتصادي محلّلا “أنّ الأخطر يتمثل في أنّ البنوك أصبحت تميل إلى الاستثمار في حاجيات الدّولة من القروض والسّيولة الماليّة المضمونة الدّفع من طرف الدولة عوض الاستثمار في القطاعات المنتجة التي تعرّض البنوك لمخاطر العجز عن التّسديد خاصة أمام انتشار ظاهرة التوريد المكثف المنظم و المهرّب”.

وقدّرت قيمة المبالغ التّي يتمّ تداولها خارج القطاع المهيكل (سنة 2019) بـ4 مليار دينار، ويتم تداولها في المناطق الحدودية وتستعمل في السّياحة، وفق ما كشفه محافظ البنك المركزي، مروان العباسي خلال جسلة استماع في مجلس نواب الشعب يوم 25 فيفري 2019.

ولاحظ أن قيمة القروض التي تقدم، سنويا، من طرف البنوك والمؤسسات المالية للقطاعات الاقتصادية، والتي تتراوح بين 5 و 6 مليار دينار، تتوزع بتفاوت كبير لصالح قطاع الخدمات وخاصة منها التجارة في التوريد مثل السيارات ومشتقاتها والمواد الكهربائية المنزلية (تستأثر بـ23 بالمائة)، بينما لا يتجاوز نصيب قطاع الفلاحة نسبة 4,2 بالمائة، فقط، يذهب نصفها إلى موردي مستلزمات الفلاحة والنصف يمنح مباشرة للفلاحين المنتجين.

واعتبر الخبير أنّ القانون الأساسي للبنك المركزي التونسي، الذي صدر إثر خوصصة العديد من البنوك العمومية (بنك الجنوب والاتحاد الدولي للبنوك والبنك التونسي الكويتي للتنمية، الذي أصبح يسمى البنك التونسي الكويتي، والبنك التونسي والاتحاد البنكي للتجارة و الصناعة والبنك التونسي القطري وبنك الزيتونة)، وضع “على مقاس القطاع البنكي التي استفادت منه مباشرة عديد البنوك الأجنبية و خاصة الفرنسية منها”.

وفسّر “هذه البنوك حوّلت هذه المرابيح إلى بلدانها كما يخوّل لها قانون الاستثمار في تونس، ما أضرّ برصيد تونس من العملة الأجنبية”، متسائلا عن الفائدة من خوصصة هذه البنوك ومردودها على الاقتصاد المنتج وتداعياتها على استنزاف رصيد البلاد من العملة الاجنبية، الذي أصبح، متأتيا، أساسا، من المديونية الخارجية باهضة الكلفة”.

واستدرك العويديدي “رغم هذه الوضعيّة، التي تندرج في إطار ما يسمّى بالاستثمار الخارجي المباشر المنشود، فإنّ التّوجه نحو تمويل حاجيات الخزينة العمومية سعيا للرّبح المضمون، بدأ يعرّض الاقتصاد الوطني إلى ركود تامّ على مستوى النّمو الذي بلغ 1 بالمائة في سنة 2019 مقابل تقديرات في قانون المالية 2019 في حدود 3,1 بالمائة. وستكون نتائج هذا الرّكود الناتج عن تحويل وجهة الموارد المالية من القطاعات المنتجة الى تمويل حاجيات الخزينة العمومية، وخيمة على المسيرة التنموية على المدى المتوسط والبعيد اقتصاديا واجتماعيا في علاقة بتنامي البطالة”.

وقال الخبير وأستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية، رضا الشّكندالي، من جهته، “أنّ الدولة أصبحت تزاحم القطاعات المنتجة من خلال اقتراضها المتواصل من البنوك التي يفترض ان تعطي الأولوية لتمويل الاستثمار وتوجيه القروض نحو المشاريع الاستثمارية”.

وبيّن أنّ إقراض البنوك للدولة ليس في صالح الاقتصاد الوطني، خاصّة، أنّ هذه التمويلات لا تذهب الى القطاعات الاقتصادية.

ولاحظ الشّكندالي، بخصوص إقراض المؤسسات المالية للدولة بالعملة الصعبة، “أنّ هذه العملة متأتية، أساسا، من ودائع التونسيين بالخارج مما يطرح سؤالا عن مدى قدرة الدولة على توفير العملة لاستخلاص مقرضيها أو أنّها ستضطر مرّة أخرى إلى التّداين”.

ويعتقد المتحدث في ذات السياق، “بأنّ توفر العملة الصعبة لبلد ما مرتبط، أساسا، بتحسّن صادراته وتدفق الاستثمار الاجنبي وتحقيق النمو الاقتصادي”.

تواصل ضعف الادخار يعرّض البنوك إلى معضلة شح السيولة بصفة دائمة

وأرجع الخبير الاقتصادي، محسن حسن، من جانبه، تراجع مستوى نقص السّيولة لدى البنوك، إلى عدّة أسباب من أهمّها السياسة النقدية التقييدية التي ينتهجها البنك المركزي، التي قامت على التّرفيع في نسبة الفائدة المديرية ثلاث مرات متتالية.

“لكن الاشكال المطروح يتمثل في تواصل ضعف مستوى الادخار الوطني، (دون 9 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، حاليا، مقابل 21 بالمائة سنة 2010)، وهو ما يجعل البنوك التونسية مهدذدة بصفة كبرى بمعضلة شحّ السيولة وضعف قدرتها على تمويل الاستثمار والاستهلاك أيضا”، حسب حسن.

ويقاس شحّ السّيولة من خلال حجم تدخل البنك المركزي اليومي الذي وصل الى مستويات كبرى، بلغت في السنة الماضية 16 مليار دولار، وكذلك بمدى قدرة البنوك على تمويل الاستثمار.

ويكمن الحلّ، وفق حسن، في اعتماد سياسات تشجّع على الادّخار سواء للمواطن او للمؤسساتّ ودعم قدرة البنوك على حشد الادّخار من خلال توفير قدرات لوجستية ومنتجات بنكية علاوة على تقليص حجم الاقتصاد الموازي والنّظام المصرفي الموازي.

وقال “لا بدّ أن تكون هناك سياسة واضحة مثلا اعتماد قانون للعفو عن جرائم الصرف وتمكين التونسيين والاجانب من فتح حسابات بالعملة الصعبة”.

المصدر (وكالة تونس افريقيا للأنباء)

لا تعليقات

اترك تعليقا